ابن تيمية
45
مجموعة الرسائل والمسائل
من الأمور الوجودية فهي منه ، ويمتنع أن يكون كل من الشيئين فاعلاً للآخر ، وهذا هو الدور القبلي فإن الشيء يمتنع أن يكون فاعلاً لنفسه فلأن يمتنع أن يكون فاعلاً لفاعله بطريق الأولى والأحرى ، وكذلك يمتنع أن يكون كل من الشيئين فاعلاً لما به يصير للآخر فاعلاً ، ويمتنع أن يكون كل من الشيئين معطياً الآخر كماله فإن معطي الكمال أحق بالكمال فيلزم أن يكون كل منهما أكمل من الآخر ، وهذا ممتنع لذاته ، فإن كون هذا أكمل يقتضي أن هذا أفضل من هذا ، وهذا أفضل من هذا ، وفضل أحدهما يمنع مساواة الآخر له ، فلأن يمنع كون الآخر أفضل بطريق الأولى ، وأيضاً فلو كان له موقوفاً على ذلك الغير للزم أن يكون كماله موقوفاً على فعله لذلك الغير وعلى معاونة ذلك الغير في كماله ومعاونة ذلك الغير في كماله موقوف عليه ، إذ فعل ذلك الغير وأفعاله موقوفة على فعل المبدع لا تفتقر إلى غيره ، فيلزم أن لا يكون كماله موقوفاً على غيره ، فإذا قيل كماله موقوف على مخلوقه لزم أن لا يتوقف على مخلوقه ، وما كان ثبوته مستلزماً لعدمه كان باطلاً من نفسه ، وأيضاً فذلك الغير كل كمال له فمنه ، وهو أحق بالكمال منه ، ولو قيل يتوقف كماله عليه لم يكن متوقفاً إلا على ما هو من نفسه ، وذلك متوقف عليه لا على غيره . وإن قيل ذلك الغير ليس مخلوقاً بل واجباً آخر قديماً بنفسه فيقال : إن كان أحد هذين هو المعطي دون العكس فهو الرب والآخر عبده ، وإن قيل : بل كل منهما يعطي للآخر الكمال لزم الدور في التأثير ، وهو باطل ، وهو من الدور القبلي لا من الدور المعي الاقتراني ، فلا يكون هذا كاملاً حتى يجعله الآخر كاملاً ، والآخر لا يجعله كاملاً حتى يكون في نفسه كاملاً ، لأن جاعل الكامل كاملاً أحق بالكمال ، ولا يكون الآخر كاملاً حتى يجعله كاملاً ، فلا يكون واحد منهما كاملاً بالضرورة ، فإنه لو قيل لا يكون كاملاً حتى يجعل نفسه كاملاً ولا يجعل نفسه كاملاً حتى يكون كاملاً لكان ممتنعاً ، فكيف إذا قيل حتى يجعل ما يجعله كاملاً كاملاً .